l

كيف تقدم تجربة انسيابية في لعبتك؟

"يطير الوقت أحيانًا كالطير، ويزحف أحيانًا كالحلزون، لكن الرجل يكون سعيدًا عندما يمضي الوقت دون أن يلحظ بطئه، ولا حتى سرعته."

__إيفان تورجنيف (أديب روسي)

من أحد المظاهر التي تدل على أننا نلعب لعبة جيدة، هي أن يمر الوقت دون أن نشعر به! نلعب لعبتنا المفضلة، فتمر الساعات والساعات ونحن نحل لغزًا، أو نقاتل وحشًا أو حتى نلاحق كنزًا، دون أن نشعر بالوقت ولو مرت الساعات والساعات (أذكر مرة أنني كنت ألعب مع أصدقائي بعد صلاة العشاء، ومن قوة اندماج الجميع في اللعبة وعالمها، لم ينهي لعبنا سوى سماعنا لآذان، استغربت عندما سمعت الآذان، فالعشاء انتهى، ولكني صعقت عندما علمت أن هذا الآذان هو آذان الفجر!). يسمي عالم النفس Mihaly Csikszentmihalyi (لا هذا ليس أنا أضغط على أزرار الكيبورد بعشوائية لا ختراع اسم عالم نفس، هذا اسمه الحقيقي!) هذه الحالة بـ "Flow"أو ما أحب ترجمته إلى الإنسياب. الإنسياب هو الشعور الذي يسعى مصممو الألعاب أن يضعوا اللاعبين فيه، بحيث يعطوا كل انتباههم للتجربة التي يعيشونها الآن. (يمكنك مشاهدة محاضرته في تيد للاستزادة).

إذا، مالأشياء التي نحتاجها لنقدم تجربة انسيابية؟

  • أهداف واضحة: يتحقق لنا الانتباه عندما تكون أمامنا أهداف واضحة، ونرى ذلك حتى في الألعاب المعقدة. فعلى سبيل المثال، منذ الدقائق الأولى في لعبة Fallout 3 يتم تحديد هدفك، "إيجاد أبيك". رغم كل المهام المعقدة في اللعبة، دائمًا هناك هدف هو صوب انتباهك، فيضمن ذلك عدم تشتتك، ويضمن لك أن تعلم إذا ماكنت تتقدم في الاتجاه الصحيح أم لا. ولكن الأهداف ليس كلها متساوية، بل هي أنواع:

    أ. أهداف صريحة: هذه الأهداف التي تصرح فيها اللعبة بوضوح، كقتل عشر وحوش أو جمع 100 قطعة نقدية.

    ب. أهداف متضمنة: أهداف لا تصرح بها اللعبة ولكنها متضمنة للأهداف الصريحة، فعندما تلعب مثلًا لعبة Counter Strike يتضمن أن تقتل الأعداء، أن تبقى حيًا لأطول وقت ممكن.

    جـ. أهداف اللاعب: هذه الأهداف التي يضعها اللاعب لنفسه، ويتم السماح للاعب بوضع أهداف عندا تكون بيئة اللعبة تسمح بالإبداع. على سبيل المثال لعبة Minecraft لا تحتوي أهدافًا صريحة أو متضمنة على الإطلاق، ولكن مع ذلك هي لعبة ناجحة لأنها استطاعت تقديم عالم يضع اللاعب فيه أهدافه، ولا يحد هذه الأهداف سوى مخيلة اللاعب، فقد يكون هدفك بناء قلعة زجاجية، أو هدفك مساعدة صديقك في بناء بيته.

  • تغذية رجعية (Feedback): من جمال الألعاب أننا نرى نتيجة أفعالنا مباشرة، فمما يجعل بعد التجارب التي نمارسها في حياتنا اليومية مملة، هي أننا لا نرى رد فعل مباشر لأفعالنا، فعلى سبيل المثال، كثير منا يتوقف عن الذهاب للنادي لأنه لا يرى نتيجة تمرينه المتواصل خلال أول أسبوع. ولكن في الألعاب يمكنك تعلم مهارة بإختيارها من قائمة المهارات، ويمكنك مشاهدة سيارات الفريق الخصم تنفجر عندما تحطمها في لعبة Rocket League. وتكون التغذية الرجعية في الأمور البسيطة أيضًا، كما نرى في لعبة باكمان أن الكرات التي تجعل الوحوش يهربون منك عندما تأكلها تتميز بحجم أكبر. وبمناسبة الحديث عن باكمان، تخيل لو أنك بعد ما أكلت الكرة الكبيرة، رأيت الأشباح تتحرك في نفس الطريقة دون أن تسمع صوتًا مميزًا، ودون حتى أن تتغير ألوانهم إلى الأزرق، حينها لربما تشعر أنك لم تفعل شيئًا مميزا أصلًا! لذا يجب علينا كمصممين ألعاب أن نكافأ كل فعل يقوم به اللاعب، ولو كان بسيطًا بتغذية رجعية تناسبه. (سأتحدث عن التغذية الرجعية في مقال آخر بإذن الله، فالحديث عنها يطول ويطول)

  • تحدي متزن: يمكن تلخيص هذه النقطة بأن التحدي يجب أن لا يكون سهلًا إلى درجة أن يمل اللاعب من اللعبة، ولا أن يكون صعبًا إلى درجة أن يقرر الاعب الإستسلام. في رأيي هذه النقطة تلخص عمل مطور الألعاب، فمن أصعب التحديات التي تواجه مصمم الألعاب هي تقديم تجربة متزنة الصعوبة. كيف أعطي اللاعب عددًا مناسبًا من الأسلحة لا يجعله قويًا إلى درجة السيطرة على كل القوى في اللعبة؟ كم نقطة أعطي للاعب كي يختار زيادة مستوى مهاراته؟ كم نقاط الخبرة التي يجب أن يحصل عليها اللاعب بعد قتل هذا الوحش؟ كل هذه الأسئلة، إن أجيب عليها إجابة صحيحة، ستسهم في تقديم تجربة متزنة للاعب. من الأمور الأخرى التي تتضمن تقديم تحدي متزن، هو أن اللعبة تستمر في تعليم اللاعب مهارات جديدة أثناء اللعب ولاتقدم كل شيء مرة واحدة، والذي قد يربك اللاعب، أنظر إلى خريطة لعبة Civilization V في نهايتها، سترى أمورًا كثيرة معقدة، مصادر موارد، جيوش، أعداء ولربما تتساءل كيف يمكن للاعب استيعاب كل هذا؟ الحقيقة أن اللاعب يبدأ اللعبة باتخاذ قرارا واحد فقط، ألا وهو: أين موقع مدينتي الرئيسية سيكون؟ هذا الخيار البسيط يتلوه المزيد من الخيارات ، ومن دون أن يشعر اللاعب بأي تعقيد يصل إلى هذه الصورة التي تشمل خريطة اللعبة في نهايتها.

  • ملهيات أقل: من شروط تقديم تجربة انسيابية، أن تقلل عدد الملهيات في لعبتك. وأنا عندما أقول ملهيات لا أقصد مثلًا تقليل رنين هاتف اللاعب أثناء اللعب،أو إيقاف إشعارات الفيسبوك الخاصة به، فهذه الملهيات كلها ملهيات خارجية لا يد لنا فيها، ولكن مالنا يد فيه هو الملهيات التي يمكن أن نضعها في لعبتنا خطًأ. يعرف سيد مير (مصمم سلسلة Civilizations) اللعبة: "سلسلة من الاختيارات/القرارات المثيرة". إذا أخذنا هذا التعريف على أنه صحيح، سنصل إلى نتيجة: أننا إذا أردنا صنع لعبة رائعة، علينا أن نضيف مزيدًا من الخيارات/القرارات المثيرة. ولكن إذا أضفنا مزيدًا من الخيارات قد نضع اللاعب في "شلل" فنحن البشر كائنات لا تحب الاختيار بالفطرة، وذلك لأننا إذا اخترنا شيئًا ما، سنشعر لا إراديًا بالندم على الاختيارات السابقة، ويحصل هذا فقط إذا كان عدد الاختيارات كبيرًا. هذا ما يطلق عليه عالم النفس باري شوارتز بـ "متناقضة الاختيار" (أنصحكم بمشاهدة محاضرته فيتيد). فتوقف اللاعب كل فترة للقيام بخيارات عديدة قد يشتت ويلهي اللاعب من الانسياب في عالم اللعبة (متناقضة الاختيار موضوع كبير أيضًا، فلربما كانت له مقالة خاصة به هنا). من الملهيات أيضًا واجهة الاستخدام التي يتفاعل اللاعب من خلالها باللعبة، واجهة المستخدم هي أداة اللاعب لدخول عالم اللعبة، وكأي أداة جيدة، يجب عليها أن تختفي في يد مستخدمها! ما أقصده هو أن واجهة المستخدم يجب أن تكون بسيطة وعفوية بحيث رغم أنني أستخدمها، فأنا لا أشعر بها حقًا. و تظهر أهمية واجهة المستخدم في الألعاب الاستراتجية أكثر، أنصحكم بلعب Civilization V، ستلاحظون رغم أن اللعبة مليئة بالتفاعلات، إلا أنها كلها تتم من خلال قوائم بسيطة عفوية سرعان ماتصبح جزءًا لاتشعر به من تجربتك الانسيابية.

لربما تبدو هذه النقاط الأربعة بسيطة في وصفها، ولكن جوهرها يكمن في معرفة الأماكن التي ستطبقها فيها في لعبتك، وهذا لن يحصل دون دورات من المراجعة والتجربة والتحليل التي يجب على لعبتك أن تخوضها حتى تحقق هدفها الأشمل، تقديم تجربة انسيابية ممتعة!

إذا أعجبكم هذا الموضوع وعندكم القدرة على قراءة ورقة علمية حوله، أنصحكم بقراة البحث الذي قام به مصمم الألعاب الكندي كرتس مرفي: Flow Space – A Visual Guide for Flow and Simplicity in Games

وكالمعتاد إذا كان عندكم تساؤل أو تعليق على أحد النقاط، سأكون سعيدًا بقراءته والإجابة عليه في التعليقات أسفل الموضوع.

comments powered by Disqus